لا يورنا: الإمرأة الباكية من الفلكلور اللاتيني

لا يورونا (La Llorona): المرأة الباكية التي أرعبت أجيالًا

في الليالي الصامتة على ضفاف الأنهار والمجاري المائية في أمريكا اللاتينية، يتردّد صوت نحيب أنثوي مفجع، “¡Ay, mis hijos!” (آه، أطفالي!). إنه ليس صدى الريح، بل هو صراخ لا يورونا – La Llorona، واحدة من أكثر الشخصيات الأسطورية رعبًا في الثقافة المكسيكية واللاتينية. حكاية عن الألم، الفقد، والندم الأبدي… وعن الأم التي تحوّلت إلى شبح تائه، تبحث عن أطفالها في الظلام.

من هي لا يورونا؟
لا يورونا، وتعني بالإسبانية “المرأة الباكية”، هي شبح امرأة يُقال إنها غرقت أطفالها بيديها، ثم نَدِمت وباتت تبكي عليهم إلى الأبد. تتجول روحها في الليل، خصوصًا قرب الأنهار، باحثة عن أبنائها المفقودين. تظهر غالبًا في ثوب أبيض، شعرها منسدل، وجهها حزين أو مشوَّه، وعيناها غارقتان بالدموع.

أصل الأسطورة:
النسخة الكلاسيكية:
كانت لا يورونا في حياتها امرأة جميلة وفقيرة تُدعى غالبًا ماريا، وقعت في حب رجل ثري. أنجبت منه أطفالًا لكنه رفض الزواج بها أو تخلى عنها. في لحظة يأسٍ أو انتقام، أغرقت أطفالها، ثم انتحرت من شدّة الألم.

وبعد وفاتها، لم يُسمح لروحها بدخول السماء، لأنها ارتكبت جريمة بحق أبنائها، فباتت تجوب الأرض تبكي وتبحث عنهم.

La Llorona, weeping woman,

رمزيتها الثقافية:
أسطورة لا يورونا تحمل أبعادًا رمزية وثقافية عميقة:

1. صورة الأم المعذبة:
هي نموذج للأمومة التي انكسرت، والمرأة التي تمزقت بين الحب، الفقر، والخذلان. لا يورونا ليست فقط قاتلة، بل أيضًا ضحية.

2. تحذير للأطفال:
استُخدمت قصتها لتخويف الأطفال من الخروج ليلًا أو اللعب قرب الأنهار. عبارة “إذا لم تنم باكرًا، ستأخذك لا يورونا” كانت شائعة في بيوت كثيرة.

3. نقد مجتمعي مبطن:
تعبّر الأسطورة عن الصراعات الطبقية، حيث يخذل الرجل الغني المرأة الفقيرة، وعن الضغط الذي تواجهه النساء في مجتمعات أبوية، حين تُلام المرأة على كل فشل أو خطأ.

ظهورها وسلوكها:
المكان:
تظهر غالبًا قرب المياه: أنهار، جداول، بحيرات.

أحيانًا تُشاهد وهي تمشي في الشوارع القديمة أو القرى المهجورة.

الزمان:
منتصف الليل هو وقتها المفضل، خاصة في الليالي القمرية أو الممطرة.

العلامات:
يسمع الناس نحيبها من بعيد: “¡Ay, mis hijos!”.

يُقال إن من يسمعها من قرب يكون بأمان، أما من يسمعها من بعيد، فقد تكون قريبة منه جدًا.

سلوكها:
قد تُهاجم الرجال، خاصة أولئك الذين يخونون زوجاتهم أو يهينون النساء.

في بعض الروايات، تخطف الأطفال وتغرقهم ظنًا أنهم أطفالها.

la llorona , latin american folklore

تجلياتها في الثقافة الشعبية:
1. الأدب والفن:
ألهمت لا يورونا العديد من القصص والقصائد والمسرحيات في أمريكا اللاتينية.

تمثل شخصية معقدة تتأرجح بين الشبح الشرير والمرأة المعذبة.

2. السينما:
ظهرت في عدة أفلام، أشهرها فيلم الرعب الأمريكي “The Curse of La Llorona” (لعنة لا يورونا) عام 2019، كجزء من عالم أفلام “The Conjuring”.

كما ظهرت في أفلام مكسيكية منذ أوائل القرن العشرين.

3. الموسيقى:
هناك العديد من الأغاني التي تحمل اسم “La Llorona”، أبرزها النسخة التي غنتها شافيلا فارغاس (Chavela Vargas)، والتي تمزج بين الحزن والعشق والخيانة.

تشابهها مع أساطير من ثقافات أخرى:
رغم خصوصيتها اللاتينية، فإن لا يورونا لها مثيلات في ثقافات متعددة:

– روسالكا (Rusalka) في أوروبا الشرقية: امرأة ماتت غرقًا وتغوي الرجال لتغرقهم.
– المرأة ذات الفم الممزق (Kuchisake-onna) في اليابان: شبح امرأة مشوهة تطارد الناس ليلًا.
– سيرينات (Sirens) في الميثولوجيا اليونانية: كائنات أنثوية تجذب الرجال بأصواتهن إلى حتفهم.
– المرأة البيضاء (White Lady) في الفولكلور الأوروبي: روح أنثوية حزينة تظهر بسبب مأساة عاطفية.

لماذا تظل لا يورونا حية في الذاكرة؟
لأنها تمثل الجانب المظلم من الحب، والخوف من أن يتحوّل الحزن إلى جنون، وأن يُفضي الندم إلى لعنة. لا يورونا تثير في النفس شفقة وخوفًا في آنٍ معًا؛ إنها ضحية وجانية، أمٌّ وقاتلة، باكية وغاضبة.

كل من يسمع صوتها يتساءل: هل تبحث عن أطفالها فعلًا… أم تبحث عن العدالة؟ وهل هي وحيدة في الألم، أم أننا جميعًا نملك شيئًا من نحيبها في دواخلنا؟

خاتمة:
لا يورونا ليست مجرد شبح يتجوّل في الليل، بل هي قصة عن الخيانة، الغضب، والندم الأبدي. إنها ذاكرة جماعية محفورة في ضمير القرى والمدن، ومرآة تعكس أوجاعًا إنسانية تتجاوز الزمان والمكان. فكلما سكت الليل، وهدأ النهر، يبقى صدى بكائها حيًّا: “آه، أطفالي!”… لا كتحذير فقط، بل كتذكير بأن الحب المكسور قد يولد أشباحًا لا تهدأ أبدًا.

اضف تعليق

تعليقات الفيسبوك