أم الدويس: أسطورة زائرة الليل الساحرة

في أزقة القرى النائية، وفي ليالي الصحراء الصامتة، كانت الحكايات تُروى على ضوء القمر وهمس الريح. من بين أكثر تلك الحكايات رعبًا وسحرًا، تبرز أسطورة “أم الدويس”، تلك المرأة الغامضة التي تثير الخوف وتوقظ الرغبة في آن واحد. أسطورة عربية تقليدية متجذرة في الوعي الشعبي، تحمل رسائل اجتماعية مضمرة وتصورات غيبية عن المرأة، الإغواء، والخطر.

من هي أم الدويس؟
“أم الدويس” هي كائن أنثوي خرافي في الموروث الشعبي العربي، وخصوصًا في الخليج العربي واليمن، ويقال إنها من الجن أو كائن شيطاني يتخذ هيئة امرأة جميلة للغاية، تتزيّن بالعطر الفواح، وترتدي الملابس الجذابة، وتتحدث بصوت ناعم يغري الرجال. لكنها تملك أقدامًا غريبة (تشبه أقدام الماعز أو النعامة)، ومخالب حادة، وأحيانًا يُقال إن لها لسانًا طويلاً وعيونًا تشتعل شررًا.

غالبًا ما تظهر ليلًا، وتتجول في القرى أو الصحارى، تبحث عن الرجال الذين يسهل إغواؤهم. تغريهم بكلماتها الناعمة وجمالها الفاتن، حتى إذا تمكنت منهم، كشفت عن وجهها الحقيقي، ومزّقتهم بمخالبها، أو مصّت دماءهم، أو سلبتهم عقولهم.

وظيفة الأسطورة: بين التهذيب والترهيب
رغم طابعها الخرافي، إلا أن لأسطورة أم الدويس أبعادًا تربوية ومجتمعية:
– تحذير من الانقياد وراء الشهوات: تمثل أم الدويس عقابًا للرجال الذين يركضون وراء النساء بلا عقل.
– ضبط السلوك المجتمعي: استخدمت الحكاية أداة لتخويف الشباب من الخروج ليلًا أو التورط في علاقات غير شرعية.
– تجسيد لخوف المجتمع من المرأة الخارجة عن النمط التقليدي: فهي جميلة، متحررة، وقاتلة. تمثل المرأة المتمردة، الخارجة عن سلطة الأب أو الزوج أو المجتمع.

أين تعيش أم الدويس؟ تكثر الأساطير عنها في السعودية (خصوصًا في الجنوب)، اليمن، والإمارات. لكن لا تُذكر دائمًا بنفس الاسم.

في السعودية: تعرف بـ”أم الدويس” أو “أم الخشب” أحيانًا، وتُربط بصحراء الربع الخالي.

في اليمن: تتناقلها القرى كقصة حقيقية. ويقال إنها تسكن أطراف القرى، وتتنقل بين الجبال.

في الإمارات وعُمان: تُروى قصص قريبة عنها، لكن أحيانًا تُدمج بصفات من الجن أو الأرواح الشريرة المعروفة هناك.

نظيراتها في ثقافات أخرى
أم الدويس ليست الوحيدة من نوعها في العالم، بل لها أشباه في ثقافات متعددة:

1. اللاتينيات – لا لورونا (La Llorona):
امرأة ظهرت في أمريكا اللاتينية، يُقال إنها قتلت أبناءها، وتبكي على ضفاف الأنهار بحثًا عنهم.
تغوي الرجال أيضًا وتغرقهم.

قريبة في الجوهر من أم الدويس، لكنها أكثر ارتباطًا بالأمومة والمأساة.

2. الفلبين – الأسوانغ (Aswang):
مخلوق خرافي يتخذ هيئة امرأة جميلة في النهار، لكنه يتحول إلى وحش في الليل.
يتغذى على البشر، خصوصًا الأطفال والرجال.

3. اليونان القديمة – السيرينات (Sirens):
مخلوقات نصفها نساء ونصفها طيور، تغني بصوت جميل فتغوي البحارة وتجعلهم يلقون بأنفسهم في البحر.

4. أوروبا الشرقية – رووسالكا (Rusalka):
أرواح نساء ميتات، تغوي الرجال لتغرقهم. غالبًا ما يُصوَّرن بجمال باهر.

5. الهند – شيشو راندي / شيشو كاري:
أرواح نساء تموت ظلمًا، تظهر كنساء جميلات في الليل، تغوي الرجال وتنتقم منهم.

لماذا تستمر هذه الأسطورة؟
السبب في استمرار أم الدويس لا يعود فقط لقدرتها على إثارة الرعب، بل لأنها تمثّل فكرة أبدية: الإغراء المميت، والمرأة المجهولة التي تخبّئ وراء جمالها قوة مدمّرة. في عالم تتحكم فيه التقاليد والبنى الذكورية، تكون مثل هذه الأساطير وسيلة لقول ما لا يُقال، وتحذير غير مباشر من النساء اللواتي يملكن القرار، السحر، أو الاستقلالية.

ختامًا
تبقى أم الدويس أسطورة مدهشة، تمزج بين الجمال والرعب، بين الخيال الشعبي والمخاوف الحقيقية من الفتنة والضعف البشري. ورغم اختلاف الثقافات، فإن العالم يبدو متحدًا في إيمانه القديم بأن الجمال قد يكون قاتلًا، وأن هناك دومًا امرأة في الليل، تنتظر على مفترق طرق… لتغوي، لتقتل، أو لتُذكّر الإنسان بضعفه أمام المجهول.

اضف تعليق

تعليقات الفيسبوك